يمكن أن تساهم برامج الاستجابة للطلب في إدارة أنظمة الطاقة بشكل فعال
العلاقة بين الطاقة والمياه ونموذج جديد للإدارة المتكاملة للموارد

ازدادت الحاجة لدمج أنظمة الطاقة المتجددة في شبكة الطاقة التقليدية وأسلوب استهلاكنا للطاقة، بالتزامن مع انتقال نظام الطاقة في العالم إلى استخدام مصادر الطاقة المتجددة، بعد أن هيمن عليه الوقود الأحفوري لأكثر من 200 عام، كما  انخفضت أسعار توليد الرياح والطاقة الشمسية على مدى العقد الماضي ومع تقدم التكنولوجيا بعد أن أصبحت الطاقة الشمسية الآن أرخص شكل من أشكال توليد الكهرباء في التاريخ.

 

تعد مصادر الطاقة المتجددة، في منطقة الخليج التي مُنحت كمية وفيرة من ضوء الشمس، طريقة مناسبةً للمضي قدمًا، ولكن يتطلب انتشار موارد الطاقة الموزعة تحولًا جذريًا في كيفية عمل أنظمة الطاقة، خاصةً وأن إدارة تأثير دمج مصادر الطاقة المتجددة يُعتبر مهمة صعبة.  

 

 

تختلف الطاقة التي توفرها كل من الشمس والرياح والأمواج والمد والجزر بطرق قد لا تتطابق مع الاختلافات في طلب المستهلك على الطاقة، حيث يمكن أن يؤثر فهم هذه التقلبات على تشغيل شبكات الكهرباء والأسواق واقتصادها، وتمامًا مثل الطقس، يمكن التنبؤ باستهلاك الكهرباء بشكل جيد ولكن لا يمكن التحكم فيه، ويُعتبر القيام بالاستجابة للطلب في محطات الطاقة التقليدية التي تعمل بالوقود الأحفوري سهلًا مثل التحكم في الإمداد بالكهرباء الذي يعني حرق المزيد من الوقود لإنتاج البخار لتدوير التوربينة لتشغيل مولد، ما يعني إمكانية توليد المزيد من الكهرباء من الموارد غير المتجددة بضغطة زر.

 

يمكن لتطبيقات الاستجابة للطلب التي تعني وفقًا للهيئة الاتحادية للرقابة على الطاقة، التغيرات في أنماط استخدام المستخدمين الفعليين للكهرباء بسبب التغيرات الخارجية، أن تأخذ زمام الأمور عند هذه الخطوة وتؤدي دورًا حاسمًا في وضع الجدول الزمني المسبق لأسواق الكهرباء.

 

قام فريق من الباحثين بقيادة الدكتورة أمينة سعد السميطي، أستاذة مشاركة من مركز الطاقة الكهربائية والطاقة المتقدمة بجامعة خليفة، بتطوير نموذج ينسق تشغيل محطات تحلية المياه المتصلة بالشبكة وتشغيل أنظمة الطاقة المتجددة الغنية مع خيارات الاستجابة للطلب، ويشمل الفريق البحثي محمد السر، المدرس والباحث المساعد من برنامج الدراسات العليا، والأستاذ الدكتور محمد شوقي المرسي، مدير مركز الطاقة الكهربائية والطاقة المتقدمة بالإنابة، بالإضافة إلى علي طالب العوامي من مركز البحوث متعددة التخصصات للتنقل الذكي والخدمات اللوجستية في المملكة العربية السعودية، حيث أظهرت نتائج المحاكاة الخاصة بهم أن توظيف مرونة الطاقة الخاصة بتحلية المياه وتقليل التكلفة وتسهيل دمج مصادر الطاقة المتجددة وتخفيف التقلبات في أسعار الكهرباء بالساعة، يساهم في تعزيز كفاءة نظامهم، كما نُشرت نتائجهم في المجلة العلمية "أبلايد إنِرجي" المصنفة في قائمة أفضل 1% من المجلات المعنية بمجالات الهندسة والعلوم البيئية.

 

يقوم هذا النهج المبتكر الذي يتميز بالعمليات المهجنة لأنظمة تخزين الطاقة، بتعزيز عملية تشغيل نظام الطاقة ويتجنب الحاجة إلى محطات طاقة إضافية في أوقات الذروة، فعندما يحتاج الأفراد الذين يستهلكون الطاقة بشكل يومي إليها، توفرها مصادر متجددة، ولكن عندما لا يحدث ذلك، يتم توليد الطاقة وتوفيرها لمحطات تحلية المياه بدلًا من ذلك، ويهدف هذا إلى تلبية الطلب على المياه وأحمال الطاقة، حيث يمكن تخزين مياه الشرب المحلاة بسهولة أكبر بكثير من الكهرباء وبتكلفة أقل.

 

لاحظ الفريق البحثي أيضًا أنه قد انصب اهتمام كبير على العلاقة بين الطاقة والمياه وأوجه الترابط بين أنظمة الطاقة والمياه، حيث يمكن لأنظمة الطاقة والمياه أن يستفيد كل واحدٍ منهما من الآخر، فالأحمال الكهربائية المستجيبة لمرافق المياه، قادرة على توفير المرونة التي تشتد الحاجة إليها لعمليات تشغيل شبكات الطاقة، إذ تكون الإمكانات هائلة عندما تستهلك أنظمة المياه كميات كبيرة من إجمالي استهلاك الكهرباء في الدولة.

 

توجد بالفعل نماذج للحد من استهلاك مصادر الطاقة المتجددة الذي يؤدي إلى نضوبها خلال فترات زيادة الإمداد، من خلال المشاركة في تحسين إدارة وتنظيم توزيع الطاقة في كلا النظامين ضمن كيان مركزي. ولكن يمكن تعزيز هذه النماذج من خلال أخذ دور استجابة الطلب في الاعتبار.

 

من جهتها، قالت الدكتورة أمينة: "تشير الاستجابة للطلب إلى إمكانية تحفيز المستهلكين النهائيين على تغيير استهلاكهم للكهرباء بشكل إيجابي بناء على خطة معينة أو تعريفة تتأثر بظروف سوق الكهرباء، كما يمكن أن تقلل تطبيقات الاستجابة للطلب من ذروة الطلب وتقلب الأسعار في السوق.”

 

تشمل الاستجابة للطلب تحويل الطلب على الكهرباء أو التخلص منه لتوفير المرونة في أسواق الطاقة، الأمر الذي يساعد على موازنة الشبكة، ويمكن لبرامج الاستجابة للطلب في الشبكة الذكية، إدارة استهلاك الطاقة لمحطات تحلية المياه. نظرًا لاستهلاك عملية تحلية المياه كميات كبيرة من الطاقة (وكون التناضح العكسي أحد أقل الطرق استهلاكًا للطاقة)، يمكن أن يساهم تشغيل هذه المرافق في أوقات انخفاض الطلب وبالتالي انخفاض أسعار الطاقة، في خفض تكلفة هذه العملية وتأثيرها على شبكة الطاقة.

 

يبدو الأمر بسيطًا، ولكن يُعد تطبيق خاصية الاستجابة للطلب ووضع الجدول الزمني المسبق في الشبكة الذكية، مهمة معقدة تتطلب تقنيات التنبؤ المتقدمة وخوارزميات التحسين، ولكي ينجح كل هذا، يُعتبر التنبؤ الدقيق بكل من الطلب على الطاقة في اليوم التالي وأسعار الطاقة وإمكانات توليد الطاقة المتجددة، أمرًا ضروريًا، وتتمثّل الخطوة التالية في التخطيط لتشغيل محطات تحلية المياه وفقًا لذلك ووضع الجدول الزمني للعمليات التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة في الأوقات المناسبة.

 

اتخذ الفريق البحثي في جامعة خليفة نهجًا جديدًا، حيث قام بتنسيق عمليات تشغيل محطات تحلية المياه لليوم التالي ضمن خطة تشغيل أنظمة الطاقة، وقام بدمج إطار عمل لتقديم المناقصات المتعلقة بعملية الاستجابة للطلب، وتضمن نموذج الفريق كيانًا مركزيًا لوضع الجدول الزمني لتنظيم عملية تشغيل كل من نظام الطاقة والمياه بناء على عروض الاستجابة للطلب التي يتم استلامها والقيود التشغيلية لمحطات تحلية المياه. بالإضافة إلى ذلك، يأخذ الهيكل المقترح في الاعتبار مرونة الطاقة في هذه المحطات والأجزاء المرتبطة بها مثل خزانات المياه، للتأثير على مرونة النظام دون المساس بالإمدادات الثابتة لخدمات المياه.

 

تشير "العروض" أو "المناقصات" في هذا السياق، إلى المقترحات التي قدمها القائمون بعملية الاستجابة للطلب إلى الكيان المركزي الذي يمثل رغبة عملائهم وقدرتهم على تقليل حمولة الكهرباء الخاصة بهم بطرق متنوعة، حيث تتميز هذه العروض بمعايير محددة تتعلق بكافة خيارات الاستجابة للطلب ويمكن أن تشمل مقدار الطاقة التي يمكن تخفيضها والسعر المطلوب لهذا التخفيض وقيودًا معينة وغير ذلك، ويمثل كل قائم بالعملية، مجموعة من العملاء الذين يمكنهم المساهمة في الاستجابة للطلب.

 

يمكن أن يقلل العملاء من استخدامهم للطاقة بشكل عام دون أن يضطروا إلى القيام بهذا التخفيض في أوقات معينة أو إلى استخدامهم للطاقة في ساعات الركود بدلًا من استخدامها في ساعات الذروة، حيث يمكن لأولئك الذين يملكون مصادر توليد طاقة خاصة بهم (مثل الألواح الشمسية)، تقليل الحاجة إلى طاقة الشبكة، ويمكن لمن يمتلكون خزانات طاقة، شحن بطارياتهم في ساعات الركود ثم تفريغها خلال ساعات الذروة، ويمكن القيام بتعديلات في عملية التشغيل في محطات تحلية المياه، لتقليل استهلاك الطاقة وإحداث تغييرات فيها استجابةً لأسعار الكهرباء.

 

بمجرد تقديم جميع المناقصات، يتم استخدام المعلومات لتحقيق التوازن في سوق الكهرباء في اليوم التالي، ويشمل ذلك وضع الجدول الزمني لعملية توليد الكهرباء واستهلاكها في ذلك اليوم بهدف تحقيق التوازن بين العرض والطلب بأقل تكلفة ممكنة.

 

يقدّم إطار عمل الفريق البحثي، والذي تمت صياغته على هيئة مشكلة البرمجة الخطية للأعداد الصحيحة المختلفة، حلًا وظيفيًا للاستجابة للطلب نظرًا لكفاءته العالية وتوفيره قدرًا كبيرًا من الوقت الحسابي، وتُظهر نتائج المحاكاة إمكانية توفير خيارات أكثر مرونة، كما يمكن جدولة موارد الطاقة المتاحة لتقليل تكاليف تشغيل النظام ورفع مستوى توليد مصادر الطاقة المتجددة وتقليل ذروة الطلب في سوق اليوم التالي للطاقة. بالإضافة إلى ذلك، قلل النموذج بشكل كبير من تقلبات أسعار الكهرباء وساهم في زيادة عائدات القائمين بالعملية.

 

أضافت الدكتورة أمينة: "نحن ندرك على الرغم من هذا، احتمالية ألا يكون التشغيل المقرر لمحطات تحلية المياه  بالضرورة الحل الأمثل في هذه الحالة، ويمكن للبحوث المستقبلية توسيع نموذج التشغيل للتعامل مع خصائص أكثر ديناميكية، مثل الضغوط الهيدروليكية والتناضحية المتغيرة والمطبقة على غشاء التناضح العكسي، بالإضافة إلى دمج نماذج لشبكات المياه والهيدروجين، وهذا من شأنه أن يعزز القدرة على التكيف وفعالية نموذج التشغيل المنسق المقترح لدينا، الأمر الذي يمكن أن يعود بفوائد أكبر على أنظمة الطاقة ومبادرات الاستدامة.”

 

يمتلك هذا العمل القدرة على دعم الأهداف الاقتصادية الاستراتيجية لدولة الإمارات من خلال تعزيز الفعالية الشاملة لإدارة موارد الطاقة والمياه في إطار الشبكة الذكية التي تركز على إدارة الجانب الخاص بالطلب.

 

ترجمة: مريم ماضي